أحمد بن يوسف الحلبي ( السمين الحلبي )

633

الدر المصون في علوم الكتاب المكنون

أحدها : أنه مصدر واقع موقع الحال من ضمير الطير ، أي : يأتينك ساعيات ، أو ذوات سعي . والثاني : أن يكون حالا من المخاطب ، ونقل عن الخليل ما يقوّي هذا ، فإنه روي عنه : « أن المعنى : يأتينك وأنت تسعى سعيا » فعلى هذا يكون « سعيا » منصوبا على المصدر ، وذلك الناصب لهذا المصدر في محل نصب على الحال من الكاف في « يأتينك » . قلت : والذي حمل الخليل - رحمه اللّه - على هذا التقدير أنه لا يقال عنده : « سعى الطائر » فلذلك جعل السّعي من صفات الخليل عليه السّلام لا من صفة الطيور . والثالث : أن يكون « سعيا » منصوبا على نوع المصدر ، لأنه نوع من الإتيان ، إذ هو إتيان بسرعة ، فكأنه قيل : يأتينك إتيانا سريعا . وقال أبو البقاء : « ويجوز أن يكون مصدرا مؤكّدا ، لأنّ السعي والإتيان يتقاربان » ، وهذا فيه نظر ؛ لأن المصدر المؤكّد لا يزيد معناه على معنى عامله ، إلّا أنه تساهل في العبارة . [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 261 ] مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ أَمْوالَهُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ كَمَثَلِ حَبَّةٍ أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ فِي كُلِّ سُنْبُلَةٍ مِائَةُ حَبَّةٍ وَاللَّهُ يُضاعِفُ لِمَنْ يَشاءُ وَاللَّهُ واسِعٌ عَلِيمٌ ( 261 ) قوله تعالى : مَثَلُ الَّذِينَ يُنْفِقُونَ : « مثل » مبتدأ ، و « كمثل حبة » خبره . ولا بدّ من حذف حتى يصحّ التشبيه ، لأنّ الذين ينفقون لا يشبّهون بنفس الحبة . واختلف في المحذوف ، فقيل : من الأول تقديره : ومثل منفق الذين أو نفقة الذين . وقيل : من الثاني تقديره : ومثل الذين ينفقون كزارع حبة ؛ أو من الأول والثاني باختلاف التقدير ، أي : مثل الذين ينفقون ونفقتهم كمثل حبة وزارعها . وهذه الأوجه قد تقدّم تقريرها محررة عند قوله تعالى : وَمَثَلُ الَّذِينَ كَفَرُوا كَمَثَلِ الَّذِي ينفق « 1 » بأتمّ بيان فليراجع . والقول بزيادة الكاف أو « مثل » بعيد جدا ، فلا يلتفت إلى قائله . والحبّة : واحدة الحبّ ، وهو ما يزرع للاقتيات ، وأكثر إطلاقه على البرّ قال المتلمس : 1068 - آليت حبّ العراق الدّهر أطعمه * والحبّ يأكله في القرية السّوس « 2 » و « الحبّة » بالكسر : بذور البقل ممّا لا يقتات [ به ] ، و « الحبّة » بالضم الحبّ . قوله : أَنْبَتَتْ سَبْعَ سَنابِلَ هذه الجملة في محلّ جر لأنها صفة لحبة ، كأنه قيل : كمثل حبة منبتة . وأدغم تاء التأنيث في سين « سبع » أبو عمرو وحمزة والكسائي وهشام . وأظهر الباقون ، والتاء تقارب السين ولذلك أبدلت منها ، قالوا : ناس ونأت ، وأكياس وأكيات ، قال : 1069 - عمرو بن يربوع شرار النّات * ليسوا بأجياد ولا أكيات « 3 »

--> ( 1 ) سورة البقرة ، آية ( 171 ) . ( 2 ) انظر المتلمس ( 5 ) ، وهو من شواهد الكتاب ( 1 / 17 ) ، أوضح المسالك ( 2 / 17 ) ، أمالي ابن الشجري ( 1 / 365 ) ، الأشموني ( 2 / 90 ) . ( 3 ) البيت لعلباء بن أرقم انظر الخصائص ( 2 / 53 ) ، أمالي القالي ( 2 / 71 ) ، الإنصاف ( 119 ) ، شرح المفصل لابن يعيش ( 10 / 36 ) .